منتدى الإعلام التربوى بالبحيرة

منتدى الإعلام التربوى بالبحيرة

صحافة وإعلام تربوى ( صحافة مدرسية - مناظرات - إذاعة مدرسية )  
الرئيسيةمرحبا بك عزيزي مكتبة الصورالمنشوراتس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مناظرة "فى زمن الدروس الخصوصية" هل المعلم الجانى أم الضحية ؟
السبت نوفمبر 04, 2017 11:13 am من طرف admin

» ملف كامل به أكثر من 20 اذاعة مدرسية منظمة
الجمعة سبتمبر 29, 2017 4:45 pm من طرف سعيد سمرى

» مناظره بعنوان القصة المرئية أم القصة المقروءة
الجمعة سبتمبر 29, 2017 2:22 pm من طرف admin

» عام دراسى جديد
الجمعة سبتمبر 29, 2017 1:55 pm من طرف admin

» للقلم أنواع
الجمعة سبتمبر 29, 2017 1:45 pm من طرف admin

» صحيفة حائط
الأربعاء مارس 15, 2017 5:26 pm من طرف admin

» صور نادرة لمصر من 150 سنة
الأربعاء مارس 15, 2017 5:24 pm من طرف admin

» كائنات شفافة... سبحان الله!
الأربعاء مارس 15, 2017 5:16 pm من طرف admin

» من أجمل الصور النادرة لملوك السعودية
الأربعاء مارس 15, 2017 5:14 pm من طرف admin

المواضيع الأكثر شعبية
برنامج إذاعى كامل
فقرات متنوعة يمكن الاستعانة بها في البرنامج الإذاعي
مقدمة اذاعة مدرسية 2
مقدمات إذاعية
ملف كامل به أكثر من 20 اذاعة مدرسية منظمة
إذاعة متكاملة عن أهمية الوقت
برنامج اذاعى عن بر الوالدين
إذاعة مدرسية عن الصلاة
برنامج إذاعة مدرسية باللغة الإنجليزية
مناظرة عن الكتاب المدرسي والكتاب الخارجي أيهما أفضل ؟

شاطر | 
 

 لمحات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
على الطاير
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 39

مُساهمةموضوع: لمحات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم   الجمعة سبتمبر 14, 2012 6:21 pm

« الصادق المصدوق »
ولد محمد صلى الله من أسرة زكية المعدن نبيلة النسب، جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل، وترفعت عما يشينهم من معائب. ويرتفع نسبه صلى الله إلى نبي الله إسماعيل بن خليل الرحمن إبراهيم عليهما السلام. قال رسول الله صلى الله عن نفسه: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم". واسم رسول الله صلى الله : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. نسب النبي صلى الله وأسرته: لنسب النبي صلى الله ثلاثة أجزاء : جزء اتفق على صحته أهل السير والأنساب وهو إلى عدنان، وجزء اختلفوا فيه ما بين متوقف فيه وقائل به ، وهو ما فوق عدنان إلى إبراهيم عليه السلام، وجزء لا نشك أن فيه أمورا غير صحيحة، وهو ما فوق إبراهيم إلى آدم عليه السلام. الجزء الأول : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ واسمه شيبة ـ بن هاشم ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة ـ بن قصي ـ واسمه ـ زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ـ وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن النضر ـ واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ـ واسمه عامر ـ بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. الجزء الثاني ـ : ما فوق عدنان ،وعدنان هو ابن أد بن هميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخي بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبربن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد بن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمي بن مزي بن عوضة بن عرام بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام . الجزء الثالث : ما فوق إبراهيم عليه السلام، وهو ابن تارح واسمه آزر ـ بن ناحور بن ساروع ـ أوساروغ ـ بن راعو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ـ عليه السلام ـ بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ ـ يقال هو إدريس عليه السلام ـ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوشة بن شيث بن آدم عليهما السلام.
عبد المطلب زعيما لقريش
تولى هاشم بن عبد مناف سقاية الحجاج وإطعامهم (الرفادة)، كان هاشم موسرا ذا شرف كبير وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة ،وكان اسمه عمرو، وسمى هاشما لهشمه الخبز للناس وإطعامهم في سنة مجدبة، وهوأول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء ورحلة الصيف، ومرت الأيام وتولى عبد المطلببن هاشم السقاية والرفادة، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه ، وأحبه قومه.

« حفر بئر زمزم »
بينماعبد المطلب نائم في حجر الكعبة إذ أتاه هاتف يأمره بحفر زمزم يقول عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة. قلت: وما طيبة ؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة. فقلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال : احفر زمزم. قلت : ومازمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الأعظم (أي أن ماءها لا ينتهي أبدا) ولما بين له شأنها ودله على موضعها وعرف أنه قد صدق، أصبح بمعوله ومعه ابنه الحارث،ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الحجارة التي تغطي البئركبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئرأبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا، فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذاالأمر قد خصصت به دونكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها . قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا : كاهنة بني سعد هذيم، قال : نعم،وكانت على حدود الشام ، فركب عبد المطلب ومعه جماعة من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش جماعة، والأرض إذ ذاك صحراء لا نهاية لها، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك الصحراء بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه ؛ فظمئوا حتى أيقنوابالهلاك، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة (أي صحراء) ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم، ومايتخوف على نفسه وأصحابه قال : ماذا ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بماشئت. قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة ؛ فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة القافلة جميعا. قالوا : نعم ما أمرت به. فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا . ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض (أي لا نسير لطلب الرزق) ولا نبتغى لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ؛ ارتحلوا، فارتحلوا، حتى إذا فرغوا ومنمعهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها،فلما قامت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبّر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم. ثم دعا القبائل من قريش فقال : هلم إلى الماء فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا وشربوا واستقوا ثم قالوا : قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا! فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم. وعندئذ نذر عبد المطلب : لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه (أي حتى يكبروا ويحموه) لينحرن أحدهم لله عند الكعبة.
نجاة عبدالله والد النبي صلى الله من الذبح
كان عبد المطلب بن هاشم، قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم كبروا حتى يحموه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما تكامل بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه،جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، فكتب أسماءهم في القداح (وهي عصي كانوا يقترعون بها عند آلهتهم) واقترع فخرج القدح على عبدالله ، فأخذه عبد المطلب وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه ، فمنعته قريش ولاسيما أخواله من بنى مخزوم وأخوه أبو طالب، فقال عبد المطلب : فكيف أصنع بنذري؟ فأشارواعليه أن يأتي عرافة فيستشيرها، فأتاها فأمرت أن يضرب القداح على عبدالله وعلى عشرمن الإبل ، فإن خرجت على عبدالله يزيد عشرا من الإبل حتى يرضى ربه ، فإن خرجت على الإبل نحرها، فرجع وأقرع بين عبدالله وبين عشر من الإبل فوقعت القرعة على عبدالله ، فلم يزل يزيد من الإبل عشرا عشرا ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها ، فنحرت عنه ثم تركها عبد المطلب لا يرد عنها إنسانا ولا سبعا ، وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرا من الإبل فأصبحت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل وأقرها الإسلام بعد ذلك وروى عن النبي صلى الله أنه قال "أنا ابن الذبيحين" يعنى نبي الله إسماعيل وأباه عبدالله.

وقعة أصحاب الفيل
كان أبرهة الصباح الحبشي النائب العام عن النجاشي على اليمن، فلما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء سماها القليس، وأراد أن يجعل حج العرب إليها،وسمع بذلك رجل من بني كنانة فدخلها ليلا فقضى حاجته فيها امتهانا لها، ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وسار بجيش عرمرم ، عدده ستون ألف جندي، إلى الكعبة ليهدمها ، ومعهم ثلاثة عشر فيلا ، واختار أبرهة لنفسه فيلا من أكبر الفيلة ، وهزم كل من حاول الوقوف أمامه من قبائل العرب ، وواصل سيره حتى بلغ المغمس وهناك عبأ جيشه ، وهيأ فيله ، ثم بعث بعض رجاله إلى مكة فاستولوا على الأغنام والإبل التي وجدوها ، وكانفيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم كبير قريش وسيدها . بعدها بعث أبرهة أحد رجاله إلى مكة وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفها ، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا لي فلا حاجة لي في دمائكم. فلما قال ذلك لعبد المطلب قال له : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام ، فإن يمنعه منه فهو حرمه ، وإن يخل بينه وبينه فوالله ماعندنا دفع عنه، فقال له رسول أبرهة : فانطلق معي إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك ، فذهب إليه مع بعض أبنائه، وكان عبد المطلب وسيما جميلا مهابا ، فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه ، ونزل عن كرسيه وجلس بجانبه على الأرض ، ثم قال له : ماحاجتك ؟ فقال عبد المطلب : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ، فقال أبرهة : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم زهدت فيك حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير أخذت منك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه! قال أبرهة : ما كان ليمتنع مني ، قال : عبدالمطلب أنت وذلك . فلما أخذ عبد المطلب إبله عاد إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحصن بالجبال خوفا عليهم من الجيش، ثم قام عبد المطلب يدعو الله ويستنصره ومعه جماعة من قريش، ثم لحقوا بقومهم في الجبال ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. وتهيأ أبرهة لدخول مكة ، فلما كان بين المزدلفة ومنى برك الفيل ، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة ، و كانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول ، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبينا هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان (الخطاف طائر أسود ، والبلسان : الزرزور) مع كل طائر ثلاثة أحجار ،حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص ، لا تصيب منهم أحدا إلا صار تتقطع أعضاؤه وهلك ، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق وهلكوا علي كل منهل ، وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله (أي أصابعه) ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك . وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الجبال خوفاعلى أنفسهم من الجيش ، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين.

« وفاة عبد الله والد الرسول صلى الله »
اختارعبد المطلب لولده عبدالله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا ، وأبوها سيد بنى زهرة نسبا وشرفا ، فتزوجها عبدالله في مكة وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يشتري لهم تمرا، فدخل المدينة وهومريض ، فتوفي بها ودفن في دار النابغة الجعدي ، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة ، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صلى الله ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع الأشعار . وجميع ما خلفه عبدالله خمسة جمال وقطعة غنم ، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله صلى الله .

ولادة الرسول صلى الله
ولد سيد المرسلين صلى الله بشعب بنى هاشم بمكة في صبيحة يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول ،لأول عام من حادثة الفيل ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان ، ويوافق ذلك العشرين أوالثاني والعشرين من شهر إبريل سنة 571 م (إحدى وسبعين وخمسمائة). ويقال إن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله كانت تحدث : أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ! ثم سميه محمدا . ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام . وقد روي أن إرهاصات بالبعثة قد وقعت عند الميلاد فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى وخمدت النار التي يعبدها المجوس وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت (أي جف ماؤها) استقبل "عبد المطلب" ميلاد حفيده باستبشار، ولعله رأى في مقدمه عوضا عن ابنه الذي توفي في ريعان شبابه ، فحول مشاعره عن الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد يرعاه ويغالي به. ومن الموافقات الجميلة أن يلهم "عبد المطلب" تسمية حفيده "محمد". إنها تسمية أعانه عليها ملك كريم . ولم يكن العرب يألفون هذه الأعلام ، لذلك سألوه لم رغب عن أسماء آبائه ؟ فأجاب : أردت أن يحمده الله في السماء ، وأن يحمده الخلق في الأرض، فكأن هذه الإرادة كانت استشفافا للغيب ، فإن أحدا من خلق الله لا يستحق إرجاء عواطف الشكر والثناء على ما أدى وأسدى كما يستحق ذلك النبي العربي المحمد.
الرضاعة
أول من أرضعت الرسول صلى الله من المراضع بعد أمه كانت ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له مسروح ، و كانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وكانت العادة عند أهل الحضر من العرب (خلاف البدويين) أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ، ابتعادا لهم عن أمراض المدن؛ لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم ، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم ، فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله المرضعات ، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر ـ وهي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ـ وكان زوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة . وإخوته صلى الله هناك من الرضاعة عبدالله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء) وكانت تحضن رسول الله صلى الله ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ابن عم رسول الله صلى الله ، وقد رأت حليمة من بركته صلى الله علية وسلم ما عجبت منه أشد العجب . كانت حليمة تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه ، في نسوة من بني سعد لجلب الرضعاء ، وذلك في سنة مجدبة شديدة ، خرجت على أنثى حمار بيضاء ، ومعهم ناقة ليس فيها قطرة لبن، وأنهم لم يناموا طوال الليل من بكاء الصبي من الجوع ، وليس في ثديها ما يكفيه ، وما في الناقة ما يغذيه ، وبسبب ضعف الأتان التي كانت تركبها حليمة فقد تأخرت عن باقي المرضعات حتى ضايقهم ذلك ، حتى قدموا مكة ، فما منهن امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أن كل واحدة منهن كانت ترجو المعروف من أبي الصبى، فكانت تقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده !. وفي نهاية اليوم لم تبق امرأة ليس معها رضيع ، إلا حليمة ، فلما هموا بالانصراف قالت حليمة لزوجها : والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه! قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة . قالت : فذهبت إليه فأخذته ، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلما أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ؛ فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما ، وما كنا ننام منه قبل ذلك . وقام زوجها إلى ناقتهم فإذا ضرعها مليء باللبن ، فحلب منها و شرب ، وشربت معه حليمة حتى انتهيا ريا وشبعا، فبات الجميع بخير ليلة ! فقال زوجها : تعلمي والله يا حليمة لقدأخذت نسمة مباركة! فقالت : والله إني لأرجو ذلك . ثم خرجوا وركبت حليمة الأتان العجفاء التي أتت عليها ، وحملت النبي صلى الله معها ، فسبقت جميع المرضعات ، حتى إن صواحبها ليقلن لها : يا ابنة أبي ذؤيب ، ويحك أربعي علينا (أي تمهلي) أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فتقول لهن : بلى والله إنها لهي ! فيقلن : والله إن لها لشأنا ! ثم قدموا منازلهم من بلاد بني سعد ، وليس في أرض الله أجدب منها ؛ فكانت غنم حليمة ترعى وتعود شباعا مملوءة لبنا ، فيحلبون، ويشربون، ومايحلب إنسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع ، حتى كان قومها من بني سعد يقولون لرعيانهم : ويلكم ، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن، وتروح غنم حليمة شباعا تمتلىء لبنا . ولم تزل حليمة وأهلها يأتيهم من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتا الرضاعة وفصلته (أي فطمته) . وكان صلى الله يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما فتيا ، فقدموا به على أمه وهم أحرص شيء على مكثه فيهم ؛ لما كانوا يرون من بركته ، فقالت حليمة لأمه آمنة : لو تركت بني عندي حتى غلظ ، فإني أخاف عليه وباء مكة ؟ وأخذوا يلحون عليها حتى ردته معهم ، فرجعوابه.
حادثة شق الصدر
بقي رسول الله صلى الله في بني سعد ، حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده وقع حادث شق صدره. روىمسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله أتاه جبريل ، وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه (أي أغلق قلبه) ثم أعاده إلى مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني مرضعته) فقالوا : إن محمدا قد قتل . تقول حليمة : فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدته قائما منتقعا وجهه ، فالتزمته (أي فاحتضنته) والتزمه أبوه، فقلنا : مالك يا بني؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو؟ فرجع به إلى خبائنا وقال لي أبوه : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، فاحتملناه فقدمنا به على أمه ؛ فقالت : ما أقدمك به يا ظئر (الظئر: المرضعة) وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي ، وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته إليك كما تحبين . قالت : ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك . فلم تدعني حتى أخبرتها . قالت : أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت : نعم . قالت : كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل ، وإن لإبني لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ؟ قلت : بلى . قالت : رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء قصور بصرى ، من أرض الشام ، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف على ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة

وفاة آمنة أم الرسول صلى الله وكفالة جده له
رأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا ومعها ولدها اليتيم ـ محمد صلى الله ـ وخادمتها أم أيمن ، وقيمها عبد المطلب ، فمكثت شهرا ، ثم رجعت ، وبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض ، ويلح عليها في أوائل الطريق ، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة . وعاد به عبد المطلب إلى مكة ، وكانت مشاعر الحنان في فؤاده تزيد نحو حفيده اليتيم ، الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة ، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده ، فكان لا يدعه لوحدته ، بل يؤثره على أولاده ، وكان يوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة ، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، فكان رسول الله صلى الله يأتي وهو غلام صغير حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا ثم يجلس معه على فراشه ، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع . ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله توفي جده عبد المطلب بمكة ، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه .
« وفاة جده وكفالة عمه »
نهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه ، وضمه إلى أولاده ، وقدمه عليهم ، واختصه بفضل احترام وتقدير ، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه ، ويبسط عليه حمايته ، ويصادق ويخاصم من أجله وظهرت بركة محمد صلى الله وهو مع عمه في مواقف عديدة منها هذا الموقف : فقد حدث أن أصاب مكة جدب ، فقال بعض كبراء قريش لأبي طالب ، يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدبتا لبلاد، فهلم نستسق فقال أبو طالب : نعم هلم بنا، فأحضر محمدا صلى الله ليستسقي للقوم ، وأخذ أبو طالب النبي صلى الله وألصق ظهره بالكعبة ، ثم أمسك بيديه ورفعهما إلي السماء ودعا ، وبعد أن كانت السماء خالية ليس فيها سحابة واحدة ، إذا بالسحاب يقبل من هنا وهناك ويملأ السماء ، وإذا بالمطر يفيض على الوادي كله. وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه. وقد حج أحدهم في الجاهلية فإذا به برجل يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول : رب رد إلي راكبي محمدا رده إلي واصطنع عندي يدا فقال : من هذا ؟ فقالوا : عبد المطلب بن هاشم ، بعث بابن ابنه محمد فيطلب إبل له ولم يبعثه في حاجة إلا نجح فيها ، وقد أبطأ عليه ، فلم يلبث أن جاء محمد والإبل فعانقه ، وقال : يا بني لقد جزعت عليك جزعا لم أجزعه على شيء قط ، والله لا أبعثك في حاجة أبدا ، ولا تفارقني بعد هذا أبدا
بحيرا الراهب
خرج أبو طالب في قافلة تاجرا إلى الشام ، فلما تهيأ للرحيل تعلق به رسول الله صلى الله ، فرق له أبو طالب وقال : والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا . فخرج به معه ، فلما نزلت القافلة بصرى وبها راهب يقال له "بحيرا" في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية ، و كانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام ، فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا . وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله وهو في صومعته وفي الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم ، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه ، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة ، وتدلت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله حتى استظل تحتها ، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ، ثم أرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحركم . فقال له رجل منهم : والله يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ، فما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرا : صدقت ، كان قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم . فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، فقال : يا معشر قريش ، لايتخلفن أحد منكم عن طعامي ، قالوا : يا بحيرا، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدث القوم سنا فتخلف في رحالهم ، فقال : لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ، فقال رجل من قريش مع القوم : واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا ثم قام فاحتضنه وأجلسه مع القوم ، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له : يا غلام ، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ـ وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما ـ فزعموا أن رسول الله صلى الله قال له : لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما ‍ فقال له بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه . فقال له : سلني ما بدا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله في قومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا منصفته ، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده . فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني قال له بحيرا : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا . قال : فإنه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به . قال : صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ! هذا سيد العالمين ، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين . فقال أبوطالب : وما علمك بذلك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرساجدا ، ولا تسجد إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة ، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده ، ولا يقدم به إلى الشام ، خوفاعليه من اليهود فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.
« حرب الفجار»
ولخمس عشرة سنة من عمره صلى الله كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان ، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية لمكانته فيهم سنا وشرفا ، وكان الظفر في أول الأمر لقيس على كنانة ، وبعد ذلك كان الظفر لكنانة على قيس ، وسميت بحرب الفجار لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم فيها ، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله ، وكان ينبل على عمومته ، أي يجهز لهم النبل للرمي. كانت حرب الفجار بالنسبة إلي قريش دفاعا عن قداسة الأشهر الحرم ، ومكانة أرض الحرم . وهذه الشعائر بقية مما احترم العرب من دين إبراهيم وكان احترامها مصدر نفع كبيرلهم ، وضمانا لانتظام مصالحهم وهدوء عداواتهم ، ولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتلوا بمن استباحها ، فظلموا أنفسهم بالقتال في تلك الأشهر الحرم ، وكانت حرب الفجارمن آثار هذه الاستباحة الجائرة ، وقد ظلت أربعة أعوام ، كان عمر محمد صلى الله أثناءها بين الخمسة عشر والتسعة عشر.
« حلف الفضول »
على إثر حرب الفجار وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام ، تداعت إليه قبائل من قريش : بنو هاشم وبنو المطلب ، وأسد بن عبدالعزى ، وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مرة ، فاجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لايجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه ، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله ، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة : لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت .
« جد في الصبا وكفاح في الشباب »
عاش محمد صلى الله مع عمه حياة الكدح فليس من شأن الرجال أن يقعدوا ،. ومن قبله كان المرسلون يأكلون من عمل أيديهم ، ويحترفون مهنا شتى ليعيشوا على كسبها . وقد صح أن محمدا عليه الصلاة والسلام اشتغل صدر حياته برعي الغنم وقال : كنت أرعاها علي قراريط لأهل مكة ، كما ثبت أن عددا من الأنبياء اشتغل برعايتها ، وقد أحاطته العناية الإلهية وهو في تلك السن المبكرة من جميع مظاهر العبث أو اللهو التي كانت شائعة آنذاك ، لقد جمع الله لنبيه منذ صغره خير ما في طبقات الناس من ميزات ، وكان طرازا رفيعا من الفكر الصائب والنظر السديد ، ونال حظا وافرا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف ، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستنتاج الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائفا لحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات فأبى ما فيها من خرافة ونأى عنها ، ثم عايش الناس على بصيرة من أمره وأمرهم ، فما وجد حسنا شارك فيه ، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة ، فكان لا يشرب الخمر ، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدا ، ولا احتفالا ، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة ، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى . ولا شك أن القدرحاطه بالحفظ ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا ، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها ، روى ابن الأثير أن رسول الله صلى الله قال : ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبينه ، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته ، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ! فقال : أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا ، فقلت ما هذا ؟ فقالوا عرس فلان بفلانة ، فجلست أسمع فضرب الله على أذني فنمت ، فما أيقظني إلا حر الشمس فعدت إلى صاحبي فسألني ، فأخبرته ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك ، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة .. ثم ما هممت بسوء". وروى البخاري عن جابر بن عبدالله قا ل : لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله وعباس ينقلان الحجارة ، فقال عباس للنبي صلى الله : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض ، وطمحت عيناه إلى السماء (أي نظر لأعلى وتعلقت عيناه بالسماء) ثم أفاق فقال : إزاري ، إزاري ، فشد عليه إزاره ، فما رؤيت له عورة بعد ذلك . وكان النبي صلى الله يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة ، وشمائل كريمة فكان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا، وأعزهم جوار ا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا ، وألينهم عريكة (العريكة : الطبيعة والمعاملة) وأعفهم نفسا ، وأكرمهم خيرا، وأبرهم عملا ، وأوفاهم عهدا ، وآمنهم أمانة ، حتى سماه قومه "الأمين"؛ لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية ولما بلغ صلى الله الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة رضى الله عنها ، وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ليتاجروا لها ، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة ، فقبله رسول الله صلى الله منها ، وخرج في مالها ذلك ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما إلي الشام.
« زواجه من السيدة خديجة رضى الله عنها »
خرج رسول الله صلى الله تاجرا في مال السيدة خديجة ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام . فنزل رسول الله صلى الله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان يدعى نسطورا ، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ قال له ميسرة : هذا رجل من قريش من أهل الحرم . فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ! ثم باع رسول الله صلى الله سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل عائدا إلى مكة ، فكان ميسرة إذا كانت الظهيرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره ، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فربح الضعف أو قريبا. ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذ ا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله من خلال عذبة ، وشمائل كريمة ، وفكر راجح ، ومنطق صادق ، ونهج أمين ، وعرفت أنها وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها ، فتأبى عليهم ذلك ـفتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية ، وهذه ذهبت إليه صلى الله تفاتحه أن يتزوج خديجة ، فرضي بذلك ، وكلم أعمامه فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه ، وعلى إثر ذلك تم الزواج ، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين من الإبل ، وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة ، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبا وثروة وعقلا ، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت . وقد استأنف محمد عليه الصلاة والسلام ما ألفه بعد زواجه من حياة التأمل والعزلة . وهجر ما كان عليه العرب في احتفالاتهم الصاخبة من إدمان ولغو وقمار، وإن لم يقطعه ذلك عن إدارة تجارته ، وتدبير معايشه ، والضرب في الأرض والمشي في الأسواق . إن حياة الرجل العاقل وسط جماعة طائشة تقتضي ضروبا من الحذر والروية ، وخصوصا إذا كان الرجل علي خلق عظيم يتسم بلين الجانب وبسط الوجه
« بناء الكعبة وقضية التحكيم »
ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله قامت قريش ببناء الكعبة ، وذلك لأن الكعبة كانت عبارة عن حجارة مرصوصة ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل ، ولم يكن لها سقف ، فسرق بعض اللصوص كنزها الذي كان في جوفها ، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرا قديما ـ للعوامل الجوية التي أضعفت بنيانها ، وصدعت جدرانها . وقبل بعثه صلى الله بخمس سنين جرف مكة سيل عرم ، انحدر إلى البيت الحرام ، فأوشكت الكعبة منه على الانهيارفاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصا على مكانتها ، واتفقوا على أن لا يدخلوا في بنائها إلا طيبا ، فلا يدخلوا فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس ، وكانوا يهابون هدمها ، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي ، وتبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء ، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم ، ثم أرادوا الأخذ في البناء ، فجزأوا الكعبة وخصصوا لكل قبيلة جزءا منها فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة وأخذوا يبنونها ، وتولى البناء بناء رومي اسمه باقوم ، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه واستمر النزاع أربع ليال أو خمسا واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم ، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه ، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله ، فلما رأوه هتفوا : هذا الأمين رضيناه ، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر طلب رداء ، فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف الرداء ، وأمرهم أن يرفعوه ، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه ، وكان هذا حلا حصيفا رضى به القوم . ولم تكف النفقة الطيبة التي أخرجتها قريش تكاليف البناء، فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع ، وهي التي تسمي بالحجر والحطيم ، ورفعوابابها من الأرض لئلا يدخلها إلا من أرادوا ، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة
« في غار حراء »
لما تقاربت سنه صلى الله ا لأربعين، كانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه ، وحبب إليه الخلاء ، فكان يأخذ السويق (هو طعام الخبز والشعير) والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، على مبعدة نحو ميلين من مكة ، ومعه أهله قريبا منه ، فيقيم فيه شهر رمضان ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ، ولا منهج محدد ، ولاطريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه . وكان اختياره صلى الله لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ، وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم ، ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى . لابد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت ، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة . وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل خط التاريخ ، دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات ، ينطلق في هذه العزلة شهرا من الزمان ، مع روح الوجود الطليقة ، ويتدبر ما وراءالوجود من غيب مكنون ، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله . ولما تكامل له أربعون سنة بدأت آثار النبوة تلوح وتتلمع له من وراء آفاق الحياة ، وتلك الآثار هي الرؤيا ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ،حتى مضت على ذلك ستة أشهر، ويروى عنه صلى الله : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث . فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض ، فأكرمه بالنبوة ، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن . وكان ذلك على أرجح الأقوال يوم الاثنين لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان ليلا ، ويوافق العاشر من أغسطس سنة عشر وستمائة للميلاد ، وكان عمره صلى الله إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية ، وستة أشهر، واثني عشر يوما ، وذلك نحو تسع وثلاثين سنة شمسية وثلاثة أشهر واثني عشر يوما. ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها تروى لنا قصة هذا الحدث العظيم الذي كان شعلة من النور غيرت مجرى الحياة وعدلت خط التاريخ ، قالت عائشة رضي الله عنها : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه (أي يتعبد) الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع (أي يرجع) إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني (أي عصره عصرا شديدا) حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ! ؟ فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم , الذي علم بالقلم ,علم الإنسان مالم يعلم ) فرجع بها رسول الله صلى الله يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني (أي غطوني) فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، مالي وأخبرها الخبر ، لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة كلا ، والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل (أي يحمل عن غيره ما يهمه من الأمور) وتكسب المعدوم وتقري الضيف (أي تكرمه) وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرءا تنصرفي الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ـ فقالت له خديجة يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله خبر مارأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس (الناموس : صاحب سر الملك ، كناية عن جبريل عليه السلام لأنه المختص بإبلاغ الوحي عن الله تعالى) الذي نزله الله على موسى ، ياليتني فيها جذعا (أي شابا قويا ) ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ،وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي (الفتور: الضعف، والمراد انقطع). وكان انقطاع الوحي مدة أيام سميت بزمن الفترة.
« انقطاع الوحي ثم عودته »
وانقطع الوحي عن النبي صلى الله ، وقد بقي رسول الله صلى الله في أيام الفترة كئيبا محزونا، تعتريه الحيرة والدهشة ، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه : وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله فيما بلغنا حزنا عدا (أي جرى) منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا ،فيسكن لذلك جأشه (أي قلبه) وتقر نفسه ،فيرجع ،فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ،فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. قال ابن حجر : وكان ذلك (أي انقطاع الوحي) أياما ليذهب ما كان صلى الله وجده من الروع (أي الخوف) وليحصل له التشوف إلى العود، فلما تقلصت ظلال الحيرة ، وثبتت أعلام الحقيقة ،وعرف صلى الله معرفة اليقين أنه أضحى نبي الله الكبير المتعال ، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء،وصار تشوفه وارتقابه لمجيء الوحي سببا في ثباته واحتماله عندما يعود ، جاءه جبريل للمرة الثانية ، روى البخاري عن جابر بن عبدالله أنه سمع رسول الله صلى الله يحدث عن فترة الوحي ، قال: فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت (أي فزعت) منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت : زملوني (أي غطوني) زملوني، فزملوني ، فأنزل الله تعالى: "يا أيها المدثر " إلى قوله " فاهجر "، ثم حمي الوحي وتتابع.
«الرعيل الأول»
بدأ النبي صلى الله يستجيب لأمر الله فاخذ يدعو إلي عبادة الله وحده ونبذ الأصنام، ولكنه كان يدعو إلى ذلك سرا حذرا من وقع المفاجأة علي قريش التي كانت متعصبة لشركها ووثنيتها، فلم يكن عليه السلام يظهر الدعوة في المجالس العمومية لقريش، ولم يكن يدعو إلا من كانت تشده إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة. وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله الإسلام أولاعلى ألصق الناس به وآل بيته ، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام ،ودعا إليه كل من توسم فيه خيرا ممن يعرفهم ويعرفونه ، يعرفهم بحب الحق والخير ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله وجلالة نفسه وصدق خبره جمع عرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين ، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ،ومولاه زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب ـ وكان صبيا يعيش في كفالة الرسول وصديقه الحميم أبو بكر الصديق . أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة . ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام ،وكان رجلا مؤلفا محببا سهلا ، ذا خلق ومعروف ،وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه بالأنساب ولتجارته ، ولحسن مجالسته ، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يأتيه ويجلس إليه ، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي ،والزبير بن العوام الأسدي ،وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص الزهريان ، وطلحة بن عبيد الله التيمي . فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام . ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي ، ثم تلاهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر ، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان ،وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله ،وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي ،وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب ،وخباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود الهذلي وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون ،وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفرا ثم دخل الناس في الإسلام رجالا ونساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به. أسلم هؤلاء سرا وكان الرسول صلى الله يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيا ؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية ، وكان الوحي قد تتابع وحمى نزوله بعد نزول أوائل المدثر ،وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة ، ذات فواصل رائعة منيعة ،وإيقاعات هادئة خلابة، تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق ، تشتمل على تحسين تزكية النفوس ،وتقبيح تلويثها برذائل الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأى عين ، تسير بالمؤمنين في جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشري آنذاك .
« الصلاة »
كان في أوائل ما نزل في الإسلام الأمر بالصلاة ، قال مقاتل بن سليمان: فرض الله في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى ،لقوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) وعن زيد بن حارثة : أن رسول الله صلى الله في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل ، فعلمه الوضوء ،فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه ،وكان ذلك من أول الفريضة . وذكربعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبي طالب مستخفيا من أبيه ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله : يا ابن أخي، ماهذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه، فقال أبو طالب: أيابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.
« خبر الدعوة يصل إلي قريش إجمالا»
ترامت أنباء الدعوة إلى قريش فلم تعرها اهتماما ،ولعلها حسبت محمدا صلى الله أحد أولئك الديانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها ، كما صنع أمية بن أبي الصلت ،وقس بن ساعدة ،وعمرو بن نفيل وأشباههم ، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره وامتداد أثره ،وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته . وظل النبي صلي الله يدعو إلي الإسلام سرا مدة ثلاث سنوات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
على الطاير
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 39

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم   الجمعة سبتمبر 14, 2012 7:04 pm

«الجهر بالدعوة»
مرت ثلاث سنين والدعوة لم تزل سرية وفردية ،وخلال هذه الفترة تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون ،وتبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها، ثم نزل الوحي يكلف رسول الله صلى الله بمعالنة قومه ، ومجابهة باطلهم ومهاجمةأصنامهم . وأول ما فعل رسول الله صلى الله بعد نزول هذه الآية أنه دعا بني هاشم فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف فكانوا خمسة وأربعين رجلا . فبادره أبو لهب وقال : وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة ، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك (أي اقصر دعوتك على أهلك فقط) ،وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش ،وتمدهم العرب ، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به ، فسكت رسول الله صلى الله ،ولم يتكلم في ذلك المجلس . ثم دعاهم ثانية وقال " الحمد لله أحمده وأستعينه ،وأومن به ، وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثم قال : إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو ، إنى رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة ،والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ،ولتحاسبن بما تعملون ،وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا ، "فقال أبو طالب ": ما أحب إلينا معاونتك ،وأقبلنا لنصيحتك ,وأشد تصديقنا لحديثك ،وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون ،وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب ، فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب . فقال أبو لهب : هذه والله السوءة ، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم ، فقال أبو طالب :والله لنمنعه ما بقينا
«على جبل الصفا»
وبعدما تأكد النبي صلى الله من تعهد أبي طالب بحمايته ، وهو يبلغ عن ربه ، قام يوما على الصفا فصرخ : يا صباحاه : فاجتمع إليه بطون قريش، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر. وقد روى البخاري طرفا من هذه القصة عن ابن عباس . قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد النبي صلى الله على الصفا ، فجعل ينادي يا بني فهر‍ يا بنى عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ماهو؟ فجاء أبو لهب وقريش . فقال رسول الله صلي الله :أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلاصدقا ، قال : فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت ( تبت يدا أبي لهب ) . هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ ،فقد أوضح الرسول صلى الله لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هوحياة الصلات بينه وبينهم . وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله. ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) [15 : 94] فقام رسول الله صلى الله يعكر على خرافات الشرك وترهاته ،ويذكر حقائق الأصنام وما لها من قيمة في الحقيقة ،يضرب بعجزها الأمثال ، ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين
« رد فعل المشركين »
انفجرت مكة بمشاعر الغضب ، وماجت بالغرابة والاستنكار ، حين سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعباد الأصنام كأنه صاعقة قصفت السحاب ، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة ، ويخشي أن تأتى على تقاليدها وموروثاتها . ولكن ماذا سيفعلون أمام رجل صادق أمين ، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق ،لم يعرفوا له نظيرا ولا مثيلا خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام ؟ ماذا سيفعلون ؟ تحيروا في ذلك وحق لهم أن يتحيروا . فاجتمعت قريش للنبي صلي الله يوما ، فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه ، قالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ، قالوا : أنت يا أبا الوليد ، فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت الرسول صلي الله قال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت الرسول صلي الله قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبدت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك ، أما والله ما رأينا سخطة أشأم علي قومك منك ، فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ،وفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا ، وأن في قريش كاهنا ، ما ينتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى ، أيها الرجل : إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغني قريشا رجلا, وإن كان إنما بك الباءة فاختر آي نساء قريش فنزوجك عشرا ، فقال له الرسول صلي الله : أفرغت ؟ قال : نعم فقال رسول صلي الله : ( حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ) حتى بلغ ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) فقال عتبة : حسبك ،ما عندك غير هذا ؟ قال : لا، فرجع إلي قريش فقالوا : ما وراءك ؟ فقال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته ، قالوا : هل أجابك ؟ قال : نعم ، قال : والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ،قالوا : ويلك يكلمك رجل بالعربية فلا تدرى ما قال ، قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة . وبعد إدارة فكرتهم لم يجدوا سبيلا إلا أن يأتوا إلى عمهأبي طالب فيطلبوا منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه ، ورأوا لإلباس طلبهم لباس الجد والحقيقة أن يقولوا إن الدعوة إلى ترك آلهتهم ، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة لها ، وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على هذا الدين ،وجدت قريش هذا السبيل فتسارعوا إلى سلوكها . فمشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا ، وإما تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه فقال أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ، ومضى رسول صلي الله على ما هو عليه ، يظهر دين الله ويدعو إليه
« دار الأرقم»
كان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول الله صلى الله عليه المسلمين عن إعلان إسلامهم قولا أو فعلا ، وأن لا يجتمع بهم إلا سرا ؛ لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين مايريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة ، وربما يفضي ذلك إلى تصادم الفريقين ، بل وقع ذلك فعلا في السنة الرابعة من النبوة ، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله كانوا يجتمعون في الشعاب ، فيصلون فيها سرا فرآهم نفر من كفار قريش ، فسبوهم وقاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا فسال دمه ، وكان أول دم أهريق في الإسلام . ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة الاختفاء ، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم ، أما الرسول صلى الله فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين ،لا يصرفه عن ذلك شئ ، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا ؛ نظرا لصالحهم وصالح الإسلام ،وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا ،وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم ، فاتخذها مركزا لدعوته ،ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة . وفي هذه الدار تربى الجيل الذي حمل لواء الإسلام بعد ذلك
«الحبشة»
كانت بداية الاضطهادات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة ثم لم تزل يوما فيوما وشهرا فشهرا حتى اشتدت وتفاقمت في أواسط السنة الخامسة ، حتى ضاق بهم المقام في مكة ، وراحوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة، كان مكونا من اثني عشر رجلا وأربع نسوة ،رئيسهم عثمان بن عفان ، ومعه السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله ، وقد قال فيهما النبي صلى الله : إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام . كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل حتى لا تفطن لهم قريش، خرجوا إلى البحر ، واتجهوا إلى ميناء شعيبة، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، وفطنت لهم قريش ، فخرجت في آثارهم ،لكن لما بلغت إلى الشاطئ كانوا قد انطلقوا آمنين ،وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار. وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله إلى الحرم ، وهناك جمع كبير من قريش ، كان فيه ساداتها وكبراؤها ،فقام فيهم ،وأخذ يتلو سورة النجم بغتة ، إن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام الله قبل ذلك،لأن أسلوبهم كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضا، من قولهم: ( لا تسمعوا لهذاالقرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) [26:41] فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة ، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب، لا يحيط بروعته وجلالته البيان، بقي كل واحد مصغيا إليه ، لا يخطر بباله شئ سواه ، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ ( فاسجدوا لله واعبدوا ) [62:53] ثم سجد ، لم يتمالك أحد نفسه حتى خرساجدا، وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين،فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين. وأسقط في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لوى زمامهم ، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه ،وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب ، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله صلى الله وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير ، وأنه قال عنها: "تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" جاءوا بهذا الإفك المبين ، ليعتذروا عن سجودهم مع النبي صلى الله ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلفون الكذب ، ويطيلون الدس والافتراء. وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة،ولكن في صورة تختلف تماما عن صورته الحقيقية ، بلغهم أن قريشا أسلمت ، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة ، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار ، وعرفوا جلية الأمر ،رجع منهم من رجع إلى الحبشة ، ولم يدخل مكة منهم أحد إلا مستخفيا ، أو في جوار رجل من قريش . ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش وسطت بهم عشائرهم ،فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار ،ولم ير رسول الله صلى الله بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ،وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ويسر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا. وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلا ،وثمان عشرة أو تسع عشرة امرأة
« قريش تحاول اغتيال النبي صلى الله »
وبعد فشل قريش وخيبتهم مع أبي طالب عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشد مما كان قبل ذلك ، وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه صلى الله ، وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي تسببت في تقوية الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة، وهما: حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما. فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول الله صلى الله فقال : أنا أكفر بـ (النجم إذا هوي) و (بالذي دنا فتدلى ) ثم تسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه ، وتفل في وجهه ، إلا أن البزاق لم يقع عليه ، وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله وقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ،وقد استجيب دعاؤه صلى الله ، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش ، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ، فطاف بهم الأسد تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول : يا ويل أخي ، وهو والله آكلي كما دعا محمد علي، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فقتله. ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان . ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى الله ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل قال : قال أبوجهل : يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ،وتسفيه أحلامنا ،وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسنله بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أوامنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد . فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ، ينتظرون ما أبوجهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم ؟ قال قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، ولا والله ما رأيت مثل هامته ،ولا مثل قصرته (أي عنقه) ولا أنيابه لفحل قط فهم بي أن يأكلني . فذكر أن رسول الله صلى الله قال : ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه . أما طغاة فريش فلم تزل فكرة الإعدام تنضج في قلوبهم ، روى ابن إسحاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله ، فقالوا : مارأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ،ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقدجئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد ،ويقول : انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ماكنت جهولا . فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه ، وقام أبو بكر دونه ، وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟
«وفاة أبي طالب»
ألح المرض بأبي طالب ، فلم يلبث أن وافته المنية ،وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر ولما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله وعنده أبو جهل ، فقال : أي عم قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شئ كلمهم به : على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ،فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) ونزلت ( إنك لا تهدي من أحببت ) ومع أن أبا طالب كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء ، إلا أنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده ، فلم يفلح كل الفلاح . ففي الصحيح عن العباس بن عبدالمطلب أنه قال للنبي صلى الله ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : هوفي ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.
«وفاةأم المؤمنين خديجة بنت خويلد»
وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس وستون سنة، ورسول الله صلى الله إذ ذاك في الخمسين من عمره . إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله ، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته،وتشاركه في مغارم الجهاد المر وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله : آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها، وحرم ولد غيرها. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : أتى جبريل النبي صلى الله ، فقال يا رسول الله صلى الله هذه خديجة، قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب
«عام الحزن»
وفيه وقعت حادثتان مؤلمتان، وفاة أبي طالب ثم خديجة أم المؤمنين،خلال أيام معدودة ،فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه ، فقد تجرأوا عليه ،وكاشفوه بالأذى بعد موت أبي طالب ،فازداد غما على غم ،حتى يئس منهم ,وخرج إلى الطائف ، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يئووه وينصروه على قومه ، فلم ير من يئوي ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله اشتدت على أصحابه، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة فخرج حتى بلغ برك الغماد ، يريد الحبشة فأرجعه ابن الدغنة في جواره قال ابن إسحاق : لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا ، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله يقول لها:لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك، قال ويقول بين ذلك : ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب . ولأجل توالي مثل هذا الآلام في هذا العام سماه رسول الله صلى الله عام الحزن، وبهذا اللقب صار معروفا في التاريخ ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والاضطهاد ـ بل ومن قبله ـ أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب والحتوف، بل إن الدعوة الإسلامية تهدف ـ منذ أول يومها إلى القضاء على الجاهلية الجهلاء ونظامها الغاشم، وأن من أهدافها الأساسية بسط النفوذ على الأرض والسيطرة على الموقف السياسي في العالم ، لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلى مرضاة الله . وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله . وكان القرآن ينزل بهذه البشارات ـ مرة بالتصريح وأخرى بالكناية ـ ففي تلك الفترات القاصمة التي ضيقت الأرض على المسلمين وكادت تخنقهم ،وتقضي على حياتهم ،كانت تنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهم الذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم ، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوال التي تطابق تماما أحوال مسلمي مكة وكفارها، ثم تذكر هذه الآيات ما تمخضت عنه تلك الأحوال من إهلاك الكفرة والظالمين وإيراث عباد الله الأرض والديار، فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية. قال خباب بن الأرت: أتيت النبي صلى الله وهو متوسد برده ، وهو في ظل الكعبة ،وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت: ألاتدعو الله ، فقعد وهو محمر وجهه ، فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه ،وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . ولم تكن هذه البشارات مخفية مستورة بل كانت فاشية مكشوفة ، يعلمها الكفرة ، كما كان يعلمها المسلمون ، حتى كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله تغامزوا بهم، وقالوا: قد جاءكم ملوك الأرض سيغلبون على ملوك كسرى وقيصر ثم يصفرون ويصفقون . وأما هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا ، معما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية في الفوز بالجنة ، كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب ،والمصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء ، ليست إلا "سحابة صيف عن قليل تقشع " هذا ولم يزل الرسول صلى الله يغذي أرواحهم برغائب الإيمان ، ويزكي نفوسهم بتعليم الحكمة والقرآن ، ويربيهم تربية دقيقة عميقة ، يعلو بنفوسهم إلى منازل سمو الروح ونقاء القلب ، ونظافة الخلق، والتحرر من سلطان الماديات ،والمقاومة للشهوات ، والنزوع إلى رب الأرض والسماوات،ويذكي جمرة قلوبهم ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ،ويأخذهم بالصبر على الأذىوالصفح الجميل وقهر النفس، فازدادوا رسوخا في الدين ،وعزوفا عن الشهوات ،وتفانيا فيسبيل مرضاة الله، وحنينا إلى الجنة ،وحرصا على العلم ، وفقها في الدين ومحاسبة للنفس ، وقهرا للشهوات، وغلبة على العواطف ، وتسيطرا على الثائرات والهائجات،وتقيدا بالصبر والهدوء والوقار.

«استماع الجن للنبي صلى الله وإيمانهم»
عندما انصرف رسول الله صلى الله من الطائف راجعا إلي مكة مكث بوادي نخلة أياما، وحدث أن قام صلى الله ، من جوف الليل يصلي،فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى وهم سبعة نفر من جن أهل نصيبين فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ماسمعوا. وقد ذكرهم الله في موضعين من القرآن في سورة الأحقاف ( وإذ صرفنا إليك نفرامن الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم وفي سورة الجن ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) إلى تمام الآية الخامسة عشرة . وحقا كان هذا الحادث نصرا آخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح دعوة النبي صلى الله ، وإن أي قوة من قوات الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء ،وأولئك في ضلال مبين ) ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا)

«عرض الإسلام على القبائل»
في ذي القعدة سنة عشر من النبوة في أواخر يونيو أو أوائل يوليو لسنة 619 م ـ عاد رسول الله صلى الله إلى مكة ؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد ،ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالا ، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، لقضاء فريضة الحج وليشهدوا منافع لهم ،ويذكروا الله في أيام معلومات، فانتهز رسول الله صلى الله هذه الفرصة كالعادة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ، ويدعوهم إليه ،كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة .. و من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن خصفة وفزارة ،وغسان ، ومرة ، وحنيفة، وسليم ،وعبس ، وبنو نصر ، وبنو البكاء ،،وكندة،وكلب ،والحارث بن كعب ،وعذرة ،والحضارمة ، فلم يستجب منهم أحد يقول ربيعة بن عباد. وهو أحد من حضر ذلك الموسم: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم،يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به. وخلفه رجل أحول وضيء (أي جميل نظيف) له غديرتان (أي ضفيرتان) عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله من قوله وما دعا إليه، قال هذا الرجل: يا بني فلان،إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. فقلت لأبي: من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبولهب. وأتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه. وأتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له "بيحرة بن فراس": والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر (أي الحكم والملك) من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فلما عاد الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر أن يحضر معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بمايكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بني عامر هللها من تلاف، هل لذناباها من مطلب (يقصد هل هناك سبيل لتدارك الموقف واللحاق بهذا الشرف) والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط (أي من بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام) وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم. كذلك أتى صلى الله عليه وسلم بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم. وأتى بطنا من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله،فدعاهم إلى الله،وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم: يا بني عبد الله،إن الله قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم . فكان رسول الله صلى الله على ذلك من أمره،كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه وعرض عليه ما عنده.
« الإسراء والمعراج وفرض الصلاة»
وبينما النبي صلى الله في هذه المرحلة التي كانت دعوته تشق فيها طريقا بين النجاح والاضطهاد ،وكانت تتراءى نجوم ضئيلة تتلمح في آفاق بعيدة،وقع حادث الإسراء والمعراج . وقد اختلف في تعيين زمنه،والراجح أن الإسراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الأولى أو بين بيعتي العقبة الأولى والثانية، وفي هذه الحادثة أسري برسول الله صلى الله ، بجسده على الصحيح ، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام ، فنزل هناك ، وصلى بالأنبياء إماما ، وربط البراق بحلقة باب المسجد ، وقد حكى النبي صلى الله تفاصيل تلك الرحلة، قال رسول الله صلى الله : بينا أنا نائم في الحجرإذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا فعدت إلى مضجعي؛ فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي؛ فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه،فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما (أي يدفع) رجليه، يضع يده في منتهى طرفه،فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته. قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء عليهم السلام فأمهم رسول الله صلى الله فصلى بهم ثم عرج به في تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا ،فاستفتح له جبريل ففتح له ، فرأى هنالك آدم أبا البشر ، فسلم عليه فرحب به ،وردعليه السلام ، وأقر بنبوته ، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره . ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فاستفتح له ، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ، فلقيهما وسلم عليهما فردا عليه ، ورحبا به ،وأقرا بنبوته . ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، فسلم عليه ،فرد عليه ورحب به وأقر بنبوته . ثم عرج به إلى السماء الرابعة ، فرأى فيها إدريس ،فسلم عليه ،ورحب به وأقر بنبوته . ثم عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران ، فسلم عليه ، ورحب به ،وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران ، فسلم عليه ورحب به ، وأقر بنبوته . فلما جاوزه بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل من الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي . ثم عرج إلى السماء السابعة ، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام ، فسلم عليه ، ورحب به وأقر بنبوته . ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، ثم رفع له البيت المعمور . ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله ،فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، وفرض عليه خمسين صلاة ، فرجع حتى مر على موسى ، فقال له : بم أمرك ؟ قال بخمسين صلاة : قال : إن عشيرتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ،فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم ، إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه، فوضع عنه عشرا ، ثم أنزل حتى مر بموسى ،فأخبره ،فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ،حتى جعلها خمسا،فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف ، فقال قد استحييت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم،فلما بعد نادى مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وقد وقع حادث شق صدره صلى الله هذه المرة أيضا، وقد رأى ضمن هذه الرحلة أمورا عديدة: عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن فقيل: هديت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. ورأى أربعة أنهار في الجنة نهرين ظاهران ونهران باطنان، والظاهران هما النيل والفرات،ومعنى ذلك أن رسالته ستتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات، وسيكون أهلها حملة الإسلام جيلا بعد جيل، وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة، ورأى مالك خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر وبشاشة وكذلك رأى الجنة والنار. ورأى أكلة أموال اليتامى ظلما لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعا من نار كالأفهار( أي كالأحجار) فتخرج من أدبارهم. ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة، لايقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النارفيطئونهم. ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين. ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، رآهن معلقات بثديهن. ورأى عيرا من أهل مكة في الإياب والذهاب وقد دلهم على بعير ند لهم (أي تاه) ، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون ثم ترك الإناء مغطى،وقد صار ذلك دليلا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء. قال ابن القيم: فلما أصبح رسول الله صلى الله في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرىفاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجلاه الله له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، وأبى الظالمون إلا كفورا. فقال أكثرالناس: "هذا والله الإمر البين (الأمر أي العجيب المنكر) والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له: هل لك يا أبا بكرفي صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى هاهو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله فقال: يانبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله فصفه لي، فإني قد جئته. فقال رسول الله صلى الله : فرفع لي حتى نظرت إليه. فجعل رسول الله صلى الله يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت، أشهد أنك رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق. فيومئذ سماه "الصديق".

«الهجرة إلى المدينة »
هجرة الرسول صلى الله عندما اشتد أذى قريش لرسول الله صلى الله أذن الله لرسوله بالهجرة إلى المدينة حيث أنصار الله ورسوله. وفى الليلة التى إختارتها قريش لتنفيذ جريمة القتل فى سيد ولد آدم صلى الله وبعد أن حاصروه فى بيته ليقتلوه، أعمى جبار السموات والأرض أعينهم عن نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأخرجه من بينهم دون أن يروه،وقصد رسول الله صلى الله بيت أبى بكر فاصطحبه معه فى طريق هجرته. ولما كان رسول الله صلى الله يعلم أن قريشا ستتبعه لتقتله وأنهم لا شك سيفكرون أنه خرج يقصد اصحابه فى المدينة إلى الشمال من مكه فقد اتجه رسول الله صلى الله بحكمته جنوبا ليضللهم حتى وصل إلى جبل ثور، وكمُن هو وأبو بكر فى غار فى قمة الجبل ثلاثة أيام حتى يهدأ الطلب. وكان رسول الله صلى الله وابو بكر قد استأجرا عبد الله بن أريقط ليدلهما على الطريق، فخرج بهما بعد ثلاثة أيام إلى المدينة متجنبا فى ذلك الطريق الطبيعى إليها وسالكا طريقا أخرى مهجورة لا يعرفها إلا قليل من الناس، حتى وصل إلى قباء فتلقاه المسلمون هناك وقد حملوا السلاح إيذانا ببدء عهد النصرة والمنعة.

« طلائع الهجرة»
وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية، ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلى الله بالهجرة إلى هذا الوطن. ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالنفس فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يسفر عنه من قلاقل وأحزان. وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم، لما كانوا يحسون من الخطر، وهاك نماذج من ذلك: 1 ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة، هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة هو وزوجته وابنه،فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به. وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة ـ رحلة تبلغ خمسمائة كيلو متر ـ وليس معها أحد من خلق الله، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
2 ـ ولما أراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم مالي،فبلغ ذلك رسول الله صلى الله فقال: ربح صهيب ربح صهيب.
3 ـ وتواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعا يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش وحبس عنهما هشام. ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة ـ فقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط ، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فرق لها. فقال له عمر: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبي عياش إلا الخروج معهما؛ ليبر قسم أمه، فقال له عمر: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارا موثقا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا. هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا بذلك. ولكن مع كل ذلك خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعضا. وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله ، وأبوبكر وعلي اللذان أقاما بأمره لهما، وإلا من احتبسه المشركون كرها، وقد أعد رسول الله صلى الله جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج وأعد أبو بكر جهازه. روى البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله للمسلمين، إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين (اللابة: أرض يعلوهاحجارة سود، وكان يحيط بالمدينة جبلان من الحجارة السود) فهاجر من هاجر إلى المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر للهجرة، فقال له رسول الله صلى الله : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله ليصحبه

« مطاردة قريش للنبي صلي الله»
غادر رسول الله صلى الله بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 13 سبتمبر سنة 622 م. وأتى إلى دار رفيقه أبي بكر رضي الله عنه. ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفي ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر. ولما كان النبي صلى الله يعلم أن قريشا ستجتهد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلةهو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما، وهوالطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن. سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال، حتىبلغ جبلا يعرف بجبل ثور، وهذا جبل شامخ، وعر الطريق،صعب المرتقى، ذا أحجار كثيرة،فحفيت قدما رسول الله صلى الله ، فحمله أبو بكر حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل، عرف في التاريخ بغار ثور. ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لاتدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شئ أصابني دونك، فدخل فنظر فيه، ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فوضع فيهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله : ادخل. فدخل رسول الله صلى الله ووضع رأسه في حجرأبي بكر ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله ، فقال: مالك يا أبابكر؟ قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله ، فذهب ما يجده. وكمنا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهارا ثم يريحها عليهما،ويأتيهما إذا أمسى في الغار،وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله صباح ليلة تنفيذ المؤامرة. فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليا، وسحبوه إلى الكعبة وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما. ولما لم يحصلوا من علي على شيء جاءوا إلى بيت أبي بكر،وطرقوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي؟ فرفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها. وقررت قريش فيجلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضع تجميع الطرق النافذة من مكة (في جميع الجهات) تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كماقررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنا من كان. وحينئذ هب الفرسان والمشاة وقصاص الأثر، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن دون جدوى وبغير عائد. وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي صلى الله في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يانبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما. وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله ، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة.

« في الطريق إلي المدينة »
بعد أن خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله وصاحبه للخروج إلى المدينة. وكانا قد استأجرا عبدالله بن أريقط الليثي،وكان دليلا ماهرا بالطريق، وكان على دين كفار قريش، وأمناه على الرغم من ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول سنة 1 هـ / 16 سبتمبر سنة 622 م ـ جاءهما عبدالله بن أريقط بالراحلتين وحينئذ قال أبو بكر للنبي صلى الله : بأبي أنت يا رسول الله،خذ إحدى هاتين، وقرب إليه أفضلهما. فقال رسول الله صلى الله بالثمن. وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها رباطا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها رباط، فشقت نطاقها باثنين (النطاق ما يربطبه الوسط كالحزام) فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر، فسميت ذات النطاقين. ثم ارتحل رسول الله صلى الله وأبو بكر رضي الله عنه، وارتحل معهما عامر بن فهيرة، وأخذهم الدليل عبدالله بن أريقط على طريق السواحل. وأول ما سلك بهم بعدالخروج من الغار أنه سار في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرا. ووقع لهم في الطريق بعض الأحداث منها ما رواه 1لبخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أسرينا ليلتنا (أي سرنا تلك الليلة) ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عندها، وسويت للنبي صلى الله مكانا بيدي، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض (أي أراقب) لكما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا (أي الراحة) فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال رجل من أهل المدينة أو مكة. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب ؟ قال: نعم. فأخذ شاة،فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، فحلب في كعب كثبة من لبن (الكثبة: القليل من الماء أو اللبن أو الطعام) ومعي إداوة (وعاء) حملتها للنبي صلى الله يرتوي منها يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله فكرهت أن أوقظه،فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى، قال: فارتحلنا. وكان من عادة أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يركب خلف النبي صلى الله ، وكان شيخا يعرف، ونبي الله صلى الله شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. وتبعهما في الطريق سراقة بن مالك،أتاه رجل وهو جالس في مجلس من مجالس قومه بني مدلج، فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا خيالا بالساحل، أراه محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم ولكنني قلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا الآن أمام أعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت،فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، ثم أتيت فرسي،فركبتها، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت، ففتحت كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام (وهي عصي كان يصنعها المشركون يستشيرون بها آلهتهم) فاستقسمت بها (أي عملت قرعة) أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام، واقتربت حتى إذاسمعت قراءة رسول الله صلى الله ـ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات فغاصت يدا فرسي في الأرض، ، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زوزة
مشرفة
مشرفة
avatar

انثى
عدد المساهمات : 1084
العمر : 35

مُساهمةموضوع: رد: لمحات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم   الجمعة سبتمبر 14, 2012 11:06 pm

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ في العالمين إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

*************************************************
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لمحات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الإعلام التربوى بالبحيرة :: المـــــنتدى الدينى :: القســـــــــــم الديني-
انتقل الى: